أبي منصور الماتريدي
96
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تاب يغفر الله له ما كان منه في حال الكفر والشرك كقوله : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ . . . الآية ، وقوله : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] . وجائز أن تكون في المؤمنين . ثم ذكر عملا بجهالة وإن لم يكن يعمل بالجهل لأن الفعل فعل الجهل وإن كان فعله لم يكن على الجهل ؛ وكذلك ما ذكر من النسيان والخطأ في الفعل ؛ لأن فعله فعل ناس وفعل مخطئ وإن لم يفعله الكافر على النسيان والخطأ ، وإلا لو كان على حقيقة الخطأ والنسيان لكان لا يؤاخذ به ؛ لقوله وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ الأحزاب : 5 ] لكن الوجه ما ذكرنا أن الفعل فعل نسيان وخطأ وإن لم يكن ناسيا ولا مخطئا فيه ، وعلى ذلك [ الفعل ] فعل جهل وإن لم يكن جاهلا والفعل فعل جهل وإن لم يكن بالجهل ، والمؤمن جميع ما يتعاطى من المساوي يكون لجهالة ؛ لأنه إنما يعمل السوء إما لغلبة شهوة أو للاعتماد على كرم ربه بالعفو عنه والصفح عن ذلك ويعمل السوء على نية التوبة والعزم عليها في آخره . على هذه الوجوه الثلاثة يقع المؤمن في المعصية وأما على التعمد فلا يعمل . وقوله - عزّ وجل - : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ قرئ بالياء والتاء جميعا . فمن قرأ بالتاء نصب السبيل بجعل الخطاب لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، أي : لتعرف سبيل المجرمين . ومن قرأ بالياء رفع « السبيل » كأنه قال نفصل الآيات وجوها . أي : نبين الآيات ما يعرف السامعون أنها آيات من عند الله غير مخترعة من عند الخلق ولا مفتراة ما يبين سبيل المجرمين من سبيل المهتدين . والثاني : نفصل الآيات ما بالخلق حاجة إليها وإلى معرفتها . والثالث : نبين من الآيات ما بين المختلفين ، أي : بين سبيل المجرمين وبين سبيل المهتدين . وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ تأويله ما ذكرنا أن من قرأ بالتاء حمله على خطاب رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أي : نبين من الآيات لتعرف سبيل المجرمين بالنصب . ومن قرأ بالياء نبين من الآيات ليتبين سبيل المجرمين من سبيل غير المجرمين ، والله أعلم .